الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
33
(ثم إن عبد الرحمن) (1) اتصلت أخباره إلى البصرة في أهل دعوة المسلمين، فبعثوا إليه بثلاثة جمال مالاً، فلما وصلت الرسل إلى تاهرت، صاروا يسألون عن دار الإمارة، وكانوا قد خلفوا أحمالهم خارجاً، فلما نُعتت لهم الدار، قصدوا نحوها، فإذا الإمام رحمه الله فوق البيت في السقوف والعبيد تحته يناولونه الطين، فسألوا العبد أن يأخذ لهم رخصة الدخول، وقد أيقن العبد أن الإمام سمع كلامهم، فقال لهم الإمام: أخرهم قليلاً.
فنزل عن الحائط، وغسل الطين عن جسده، وأذن لهم في الدخول. فدخلوا، وسلّموا عليه، فردّ عليهم السلام، ووضع لهم شيئاً من الخبز وعصر سمن فلما أكلوا، استأذنوه أن يتناجوا عنه، فأذن لهم، فتناجوا فيما
عليه عكة.
بينهم، وأجمع رأيهم على أنهم رضوا منه، واتفقوا على أن يدفعوا له المال. فلما وصلت الأثقال إلى عبد الرحمن شاور أصحابه فأشاروا عليه أن يبثها في فقراء المسلمين والسلاح والعدّة ففعل رحمه الله ذلك بمحضر الرسل. فلما رجعت الرسل إلى المشرق، وأخبروا أهل دعوتهم بعدل عبد الرحمن وفضله وورعه، فبعثوا إليه بأموال أكثر من الأول، فلما وصلت إليه شاور أصحابه، فقالوا له رأيك يا أمير المؤمنين فلما ردّوا رأيها إليه، قال لهم: أما إذ رددتم رأيها إليَّ، فرأى فيها أن ترجع إلى أربابها، فهم أحوج إليها منا، وقد استغنينا، وقوينا، فشق ذلك على الرسل، وليس لهم بد من طاعة إمامهم، فردّوها إلى المشرق، فعجبوا من زهادته في الدنيا، ورغبته في الآخرة، فأقروا بإمامته (401) وواصلوه بكتبهم ووصاياهم، فكانت تاهرت حرزاً وحصناً للمسلمين.
فلما حضر عبد الرحمن الموت جعل الإمامة شورى في ستة نفر صنيع
(1) استدراك من النسخة الأصلية ب ص
407