كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٧

الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب

37

تولية عبد الوهاب، فأخذوا في العلل، وقالوا إنما كانت ولاية عبد الوهاب على الشرط أن لا يقضي أمراً دون جماعة معلومة، فرجعوا إلى ما عيب عليهم أول مرة، فسبوه عند الجهال، ومن ليست له بصيرة في أمور الدين، فصاروا يستنزلوهم عن بصائرهم، فكثر القيل والقال في البلد، ويقولون: إنه حامى بعض الناس علينا، وولاهم الأمور دوننا، ونحن أولى بالأمور ممن ولاه على الناس؛ لأنه إنما كانت ولايته على أيدينا. وكان مما يقولونه للجهلة من الناس: يجوز تولية رجل إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم

إنه لا

منه.

فاختلط قولهم، وتفاقم أمرهم، وكثر التنازع تارة يقولون: هم الذين ولوه، وتارة يقولون: لا تصلح ولاية رجل وفي الجماعة من هو أعلم منه، وتارة يقولون: إنما كانت ولايته على الشرط.

ثم إن جماعة المسلمين اصطلح أمرهم مع يزيد بن فندين وأصحابه أن يضعوا أوزار الحرب حتى يراسلوا إخوانهم بالمشرق، ويكف بعضهم عن بعض، فما أجابوهم به أخذوه، فبعثوا رسولين، فتوجه الرسولان إلى المشرق، فلما وصلا إلى مصر وجدا بها شعيب بن المعروف (1) وشيعته، فأخبراه بموت عبد الرحمن الله عليه واستخلاف الناس ابنه عبد الوهاب، وخروج ابن فندين عليه، وادعائه الشرط في إمامة عبد الوهاب وما زخرف من الأباطيل. فلما سمع

(1) شعيب بن المعروف شعيب بن المعروف أبو المعروف، أحد علماء الإباضية بمصر، تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالبصرة، وخالف إمامه في بعض القضايا، فاستتابه أبو عبيدة، وتاب، ولما كان عهد الإمام الربيع بن حبيب كان أحد المنشقين عنه أيضاً، وحاول نشر دعوته بالبصرة، فلما أخفق التجأ إلى مصر. وعندما وسع الخلاف الواقع بتاهرت سنة 171 هـ / 787 م بين الإمام وعبد الوهاب ويزيد بن فندين رأس الحركة النكارية، اتجه على تاهرت طمعاً بالإمارة، واتصل بالإمام عبد الوهاب، ثم بيزيد بن فندين وأصحابه، فاستمالوه إليهم، حتى صار من رؤوس الفرقة المنشقة، وبعد انهزامه اتجه إلى طرابلس ليواصل معارضته هناك، ويبث فكرته في أوساط الناس، ونجح إلى حد بعيد، واستمرت فرقته في معارضتها للإباضية عدة قرون. انظر: بابا عمي، محمد بن موسى، وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 221 - 222.

٩٣٧ / ١٬٤٢٩