الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤١الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
41
كيف لنا بالوصول إلى قتله، فلم يبحه لهم ذلك، ثم قال لهم واحد منهم: عندي رأي، وذلك أن تأخذوا تابوتاً وتجعلوني فيه، وتمضون بالتابوت إليه، فإنكم تختصمون عليه، وتمنعون من الاتفاق، وأن لا يحصل في يد أحدكم دون غيره، فإذا صرتم إلى ذلك، فقولوا له: لا نرضى أن نضعه عند أحد سواك. فاتفق رأيهم على ذلك، فعمدوا إلى تابوت، وأدخلوا فيه ذلك الرجل ومعه سيفه، وكان مغلق التابوت من داخل وأقبلوا بالتابوت إلى الإمام يتنازعون عليه، فلما وصلوا إلى الإمام تكلم متكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، أفصل بين هؤلاء القوم، وانزع هذا التابوت من أيديهم حتى تصلح بينهم، ويزول الشر. فقالوا: صدق يا أمير المؤمنين لسنا نثق بأحد سواك، فيضعه معه، وضعه عندك
حتى نتفق.
فلما رأى الإمام منهم ذلك خاف أن يقع بينهم الشر، فقال: احملوا تابوتكم إلى الموضع الذي أمرتكم أن تضعوه فيه، فلما نظر إليهم مثقلين بحمل التابوت استرابهم، ثم تأمل التابوت، فرآه مقفولاً من داخله، فازداد ريبة فيهم، وظن أنهم أرادوا به المكر والغدر، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضعه إلا في بيت ينام فيه، فلما وضعوه، وخرجوا من عنده فرحين مستبشرين، وظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم.
وبلغنا أنهم اتفقوا مع صاحبهم أنه إذا قتل الإمام أن يؤذن لصلاة الصبح عند طلوع الفجر، فإذا سمعوا أذانه، فيعرفون صوته، فيبتدرون إلى دار الإمام، وإن لم يؤذن، علموا أن صاحبهم لم يظفر بحاجتهم.
فلما جاء الليل اشتغل الإمام بصلاته، فلما فرغ منها وفرغ من حوائج أهل بيته، وكان عادته إذا فرغ يأخذ كتاباً يقرأ فيه، فلما كانت تلك الليلة عمد الإمام إلى زق منفوخ فوضعه على فراشه ووضع عليه ملحفة بيضاء، فلما