كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٣

الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب

43

وكان ابن فندين وأصحابه منتظرين متى تكون لهم فرصة، أو يجدوا من أهل المدينة غزة، إلى أن خرج الإمام ذات مرّة إلى بعض حوائجه، فبادر ابن فندين وأصحابه إلى أهل المدينة حين سمعوا بخروج الإمام ليدخلوا المدينة غفلة على حين من أهلها، فقامت الصحية في المدينة، وتبادر أهل المدينة من كل مكان، وكان أفلح ابن الإمام) في ذلك الحين تضفر له أخته (2) رأسه، وقد ضفرت له شقاً، وبقي الشق الآخر لم يضفر، فأخذ سلاحه وابتدرهم، فوجدهم

على باب المدينة، وقد كادوا يدخلونها، فوقف لهم على بابها، ونشبت إحدى رجليه في الصفا، فانسلخ جلده إلى العرقوب فصاروا يضربونه، ويتقي بدرقته، حتى لم يبق منها شيء، فرمى بها، وعمد إلى باب المدينة فاقتلعه، وجعل يتقي به، حتى تكامل أهل المدينة، ويزيد بن فندين مقاتل أفلح بن عبد الوهاب على باب المدينة وعلى رأسه بيضتان يضرب الناس يميناً وشمالاً، فقصده أفلح، وضربه بسيفه على أم رأسه، فقد البيضتين والرأس، ونشب السيف في عمود

(1) أفلح ابن الإمام: هو أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ثالث الأئمة الرستميين، تلقى العلم بتاهرت على يد أبيه عبد الوهاب، وعن جده عبد الرحمن وغيرهما من مشايخ تاهرت. وكان من أكبر علماء زمانه فقيهاً، وشاعراً، انفرد بآراء في علم الكلام، وعُدَّ لذلك إماماً، وترك العديد من الرسائل العلمية، له جوابات وفتاوى في النوازل، كما أن له اهتماماً بالحديث وروايته. بلغت الدولة الرستمية في عهده من الرقي مبلغاً عظيماً، ووصلت إلى أوج ازدهارها، يقول ابن الصغير وكذلك الباروني عن إمامته: «عمر في إمارته ما لم يعمر أحد ممن كان قبله، وأقام خمسين عاماً، نشأ له البنون وبنو البنين وشمخ في ملكه وابتنى القصور وعمرت معه الدنيا، وكثرت الأموال». كان الإمام أفلح رجل علم، وسياسة، وقيادة ودولة، وساس الرعية، فدانت له، وقاد الجيوش، فكان البطل، وأدار دواليب الدولة، فدرت له مجداً وتألقاً وحضارة. توفي في سنة 258 هـ / 871 م على أكبر تقدير، وخلفه ابنه أبو بكر، وكان ابنه الأكبر أبو اليقظان في سجن العباسيين آنئذ، قبضوا عليه في موسم الحج. انظر بابا، عمي محمد بن موسى، وآخرون: معجم

حتى

71 - 9.

أعلام الإباضية، ج 2، ص. (2) أخت أفلح من أسرة الرستميين حكّام تاهرت، كانت عالمة بالحساب والفلك والتنجيم، واشتهرت بمناظرتها لأخيها أفلح الذي قال عنه أبو زكريا: «وبلغ في حساب الغبار مبلغاً عظيماً. ولها في ذلك قصص في كتب السير. انظر: بابا، عمي محمد بن موسى وآخرون: معجم أعلام الإباضية،

ج 2، ص 60.

٩٤٣ / ١٬٤٢٩