الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
47
يذب عن مذهبه، وقد جرت بينه وبين الإمام (408) مناظرات كثيرة، وكان شديد المعارضة حديد العارضة، فتكاثفت كلمة الواصلية، واجتمعوا من كل شعب، وجاؤوا من كل أوب، فانحازوا من تاهرت، وأخذوا عن جبالها، وهم أصحاب العمود، وأظهروا مخالفة الإمام فعذر إليهم، وخرج إليهم بعساكر كثيرة، فقاتلهم مرّة بعد مرّة، وكان الفتى المعروف بالنجدة والشجاعة لا يدرك أحداً إلا قتله ولا يبارز أحداً إلا جدله وله أب يحرضه عند القتال، ويقول
له: أقدم يا بني. فلما رأى الإمام أن حربهم مجد أرسل إلى جبل نفوسة يستمدهم، فيبعثوا له جيشاً نجيباً يكون فيه رجل ذو علم بفنون الردّ على المخالفين، ورجل عالم
بفنون التفسير ورجل شجاع بطل نجد يبارز الفتى المعروف بالشجاعة. فلما وصلت رسلهم إليهم، ائتمروا فيمن يرسلونه إليه، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا له بأربعة أنفار أحدهم مهدي ()، والآخر أيوب بن العباس (2)،
(1) مهدي: مهدي النفوسي الويغوي من علماء جبل نفوسة بليبيا، في عصر الصدر الأول، أخذ العلم عن حملة العلم، وكانت له أرض يشتغل بها بالزراعة، ويسترزق منها. برع في المناظرة، فانتدب لمناظرة المعتزلة بتاهرت، وقد قصر الإمام عبد الوهاب عن إفحامهم. قال عنه الدرجيني: «هو المقوم في علم الجدال، الذي له اليد العليا في البرهان، والاستدلال، وهو المحتج على إمكان الممكن واستحالة المحال، وعلى الفرق بين الحلال والحرام .. الرادع لقيام أهل البدع والضلال». وتذكر المصادر عنه أنه لما استدعي من جبل نفوسة إلى تاهرت لمناظرة المعتزلة كان يغيب عدة أيام قبل انعقاد
من
المناظرة، فلما سئل عن مكان غيابه قال: إني رددت إلى مذهب الحق - الإباضية - سبعين. عالماً. أهل الخلاف له كتاب اللسان البربري يرد فيه على أباطيل نفاث بن نصر، ويعد هذا الكتاب أقدم
كتاب إباضي بالبربرية. ويقول الدرجيني في سبب وضعه بغير العربية: «إنما وضعها واضعها باللسان البربري ليتناقلها البربر فكالهم بصاعهم، ولم يطفف، ولم يبخس، ولم يعد من الألفاظ ما يفهمونه، ولا أعرب، ولا أغرب، بحيث يتوهمونه استشهد في حصار الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن لمدينة طرابلس سنة 196 هـ / 811 م، فنال شرف الجهادين الأصغر والأكبر: العلم والسيف. انظر: بابا عمي، محمد بن موسى، وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 427. (2) أيوب بن العباس أيوب بن العباس (أبو الحسن من مشايخ تين دوزيغ بجبل نفوسة، تلقى العلم به على يد العلامة عاصم السدراتي، أحد حملة العلم الخمسة عن أبي عبيدة بالبصرة إلى المغرب. كان =