كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٩

الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب

49

ثم إنهم أخذوا في أُهبة السفر، فخرجوا من جبل نفوسة متوجهين إلى تاهرت، فلما انفصلوا من الجبل طلبهم محمد بن يانيس أن يدعوه أن يكون خادمهم، فأبوا عليه، فألح عليهم حتى أجابوه، فكان إذا نزلوا عند الليل عمد إلى خيلهم، فيعلفها، ثم يأخذ في صنع الطعام، فإذا أكلوا وناموا أقبل على الصلاة راكعاً ساجداً، حتى يطلع عليه الفجر، وكان صائماً نهاره، قائماً ليله، وكان ذلك دأبه، فلما رأوه متمادياً على ذلك، أشفقوا عليه، وشق عليهم، فطلبوا منه أن يرفق بنفسه، ولا يحملها فوق طاقتها، وأن يترك بعض الذي يعمل في السفر، ويأخذ غفوة بالليل، فأبى عليهم، فعزموا عليه يترك بعض ذلك، وإلا طلبوا من (409) يخدمهم غيره، فلما رأى جدهم وعزمهم، فقال: أنا أفعل ما أردتم، ولكن على شرط أن تدعوني أركع ركعتين لا أزيد عليهما إن شاء الله.

أن

فلما سمعوا منه ذلك طابت أنفسهم وسرّهم، وظنوا أنهم أصابوا حاجتهم. فلما كانت الليلة المقبلة، وقد فرغ من خدمتهم قام إلى الركعتين اللتين وعدهم أن لا يزيد عليهما، فقرأ في الركعة الأولى نصف القرآن، وفي الركعة الثانية النصف الآخر، وطلع عليه الفجر، فشق ذلك على أصحابه أكثر من أول مرة، وبلغ فيهم ذلك، فطلبوا منه أن يرجع كما كان أول مرة؛ لأن ذلك أرفق به، وأروح مما التجأ إليه.

وبلغنا أنهم رقدوا ذات ليلة، وكانت ذات مطر وصر وقر، فانتبه أحدهم، فنظر إلى ابن يانيس قائماً يصلي، وسمع طرف كسائه تضرب بها الريح، فتصوت، فقال: إن كان لا يدخل الجنّة إلا من كان مثلك يا ابن يانيس، فستصيبك فيها الوحشة.

وبلغنا أن الإمام لما سمع بخروجهم من جبل نفوسة وإقبالهم إليه وقربهم

٩٤٩ / ١٬٤٢٩