الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥١الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
51
قال: فساق الإمام الحديث مما جرى بينه وبين المعتزلي من الكلام حتى أتمه، فإذا زاغ المعتزلي عن الحجة أو حاد عن الجواب. فقال المهدي للإمام: يا أمير المؤمنين هاهنا ذهب لك بالحجة، وحاد عن المحجة، فاطلع الإمام على جميع ما ليس المعتزلي عليه، والمواضع التي سرق له فيها السؤال، ويحيد فيها عن الجواب.
وبلغنا أن مهدي خرج ذات مرّة عن أصحابه، فتغيب عنهم، ولم يدروا أين توجه، فلما جنّهم الليل وقرب عشاؤهم، انتظروا حتى آيسوا منه، أكلوا حاجتهم، وتركوا عشاءه، فكانوا كذلك إذا قيل لهم، فسألوه: أين تغيبت، ومن أين جئت، وقد برد عشاؤك؟ فقال لهم: إني رددت إلى دين الله سبعين عالماً من أهل الخلاف في غيبوبتي عنكم. قال: فتقدم إلى عشائه، فصادف عجيناً عجنوه لغدائهم، فكشف عنه، فصار يأكل منه، فلما كاد يشبع، قال لأصحابه: كأن عشاءكم الليلة لم يطبخ، ولم يطب، وقد وجدت به طعم العجين؟ قال بعضهم: ولعلك إنما صادفت عجين، غدائنا ففتشوا فوجدوا العجين هو الذي صادف. وقال لهم مهدي: حمدت الله على ثلاث: واحدة أنى إذا قدم إلي طعام ما أبالي أي طعام كان، فإني أقضي منه حاجتي والثانية إذا أخذت غفوة من النوم اجتزيت بها، ولا أبالي بعد ذلك. والثالثة لست أتخوّف من مخالف على نفسي أن يغلبني في حجة إلا ركنت في دين الله.
ثم إن الإمام بعث إلى رئيس المعتزلة وسيّدهم بأنه سيخرج إليه اليوم الفلاني، وضرب لهم أجلاً، فلما كان ذلك اليوم، وقد ساءت ظنون المعتزلة، وانتفخت أسحارهم عن ماذا ينجلي لهم من نفوسة، وكانوا في غمة مطلخمة، فأمر الإمام رعيته بالخروج إلى الواصلية وحضور مناظرة المعتزلي. فقال أيوب: يا أمير المؤمنين إن فرسي أتعبه السفر، فلو أمرت لنا بخيل نركبها. فأمره، فدخل في دار الدواب، فكان كلما أعجبته هيئة فرس جنده بيده فتقلع رجلاه،