الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٥الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
55
وللإمام بها مصلى في موضع يقال له: تلاليت. ثم إنه توجه إلى جبال نفوسة، وقد عزم على المسير إلى الحج، فاجتمعت إليه جموع نفوسة، فأخبرهم بمراده، فقالوا: لسنا ندعك أن تمضي مخافة عليك من المسودة أن يأخذوك ويحبسوك، فتعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكامه.
فأرسل الإمام إلى إخوانه من أهل الشرف، وكان المقدم في ذلك العصر في العلم والفضل والورع أبا عمرو الربيع بن حبيب له، وابن عباد (1)، فلما وصلت الرسل إلى المشرق، أجابه الربيع إن من كان مثلك في العناء لأمور المسلمين وتحمل أماناتهم وخاف على نفسه من المسودة، فله أن يبعث بحجه
وهو حي.
وقال ابن عباد: إن من كان على هذه الصفة المذكورة من العناء لأمور المسلمين فليس عليه الحج؛ لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه.
فمكث الإمام حتى قدمت الرسل، فأخذ بقول الربيع، فأرسل بمال ليحج عنه، ومكث هو في جبل نفوسة سبع سنين يتعلمون منه مسائل الصلاة، وبقي منها أبواب لم يذكروها.
ثم إنه توجه يريد مدينة طرابلس، فلما وصل إليها حاصرها، ومكث زماناً محاصرها، وكان بينه وبين أهلها قتال شديد، وفيه استشهد مهدي، فبلغنا أنهم قطعوا رأسه، فإذا قالوا له: انهزم المسلمون انقبض جلده وتعبس، وإذا قالوا له: انهزمت المسودة. انبسط وتبسّم.
(1) ابن عباد وهو عبد الله بن عباد المصري فقيه ومفت، عاصر الإمام الربيع بن حبيب، وصنفه الدرجيني ضمن مشايخ المغرب، وله فتاوى كثيرة، منها جواب للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي. وليس هو محمد بن عباد المدني المتكلم، صاحب كتاب ابن عباد انظر بابا عمي، محمد بن موسى، وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 269.