كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٩

الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب

59

فلما وصلت الكتب إلى أبي سفيان كتب إليهم بتخطئة من ولى خلفاً، وإصابة من لم يوله، وأمرهم باتباع إمامهم عبد الوهاب. فلما وصل إليهم ترکوه، ولم يشتغلوا به حين لم يوافقهم، واعتلوا بعلل، زعموا أن عبد الوهاب ليس بإمامهم، وأن إمامهم خلف بن السمح، وزعموا أن الحوزات منقطعة بعبد الوهاب، وأنهم في حوزة، وهو في حوزة أخرى.

ثم إن عامل نفوسة أدركته الوفاة، وهو من الذين أنكروا على خلف ما صنع، فأرسل أهل نفوسة إلى الإمام بوفاته، وأن يولّي عليهم. فكتب لهم إن رأوا رجلاً منهم، ويسمونه له، فيوليه عليهم، فكتبوا له: إنه لا يصلح لهذا الأمر إلّا أبو عبيدة عبد الحميد (1) رجل من أهل إيحناون، فأجاز لهم الإمام توليته على أنفسهم، فاجتمعوا وأرسلوا إلى أبي عبيدة، فلما حضروا، قالوا له: إن

الإمام أمرنا أن نوليك على أنفسنا لتقضي بيننا بكتاب الله وسنة رسوله وآثار الصالحين من عباد الله. قال: أنا ضعيف أنا ضعيف. فأبى عليهم، فلم يقدروا عليه، فأرسلوا إلى الإمام مرّة في شأنه، وأخبروه بقوله: أنا ضعيف، أنا ضعيف. فكتب إليهم باستعمال أبي عبيدة، وحلف بالله أنه لا يولي أمور المسلمين إلا رجلاً يقول: أنا ضعيف.

وكتب لأبي عبيدة بالدخول في أمور المسلمين، وكتب له: إن كنت ضعيفاً

(1) أبو عبيدة عبد الحميد عبد الحميد بن فحمس الجناوني، أبو عبيدة من علماء إجناون قرب جادو بجبل نفوسة في ليبيا. أخذ العلم بها، ثم لقي الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن رستم. عينه الإمام عاملاً على حيز طرابلس بعد موت أيوب بن العباس، فحاول بإلحاح أن يهرب من المسؤولية، غير أن الإمام والمشايخ أصروا عليه فقبل. وفي عهده شنَّ خلف بن السمح غارات عديدة على نفوسة، فواجهه أبو عبيدة باليين واللطف، ثم بالجند والقوة، فقضى عليه في المعركة الثانية عشية الخميس 13 رجب 211 هـ. ومن أقواله لأهل الجبل: «والله لقد تركتكم على الواضحة النيرة، تقود الضال، وما بيني وبين رسول الله ثلاثة رجال». قال أبو زكريا الباروني: ضمن مشاهد جبل نفوسة يقصدون مصلى عبد الحميد، قدام تغرمين في مطكوداسن. انظر: بابا، عمي محمد بن موسى، وآخرون: معجم أعلام

الإباضية، ج 2، ص 4

244

٩٥٩ / ١٬٤٢٩