الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦٥الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
فلما تنحوا إلى الجبل، ظنّ خلف أن
بهم جينا
عن القتال، قدم سرعان خيله، وتبعهم بعساكره، فلما غشيتهم الخيل دعا أبو عبيدة بماء للوضوء، وأمر رجالاً، فجعلوا له ستراً، فتوضأ، وصلى ركعتين، ودعا الله، وابتهل إليه أن يغل شوكتهم. ثم قال: يا من لم أعرض عنه منذ استقبلت أمره لا تفرّق هذه العصابة على يدي.
ثم تدانى الصفان، وذلك عشية الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة إحدى عشرة سنة ومائتين سنة من الهجرة، فاقتتلوا قتالاً شديداً. وكان في عسكر أبي عبيدة رجل شجاع حاذق الطعن يقال له: العباس، وهو أبو أيوب، نظر إليه أبو عبيدة يضرب في أعراض الخيل، ويكشفها يميناً وشمالاً، أ، وقد حمى الميمنة والقلب والميسرة، فقال أبو عبيدة: صار في عيني كالعقاب عضب لا ينبو إلا أكلته النار.
وذكر عنه أنه ضرب رجلاً، فطار رأسه، فقال له: طر إلى النار. فأجابه الرأس وهو طائر في الهواء: وبئس القرار.
منهم
مقتلة
وأسرع القتل في أصحاب خلف حتى انهزموا، وقد قتلت عظيمة، وأمر أبو عبيدة أصحابه أن لا يتبعوا مدبراً، ولا يجهزوا على جريح، فأحسن فيهم السيرة، أحسن الله إليه، وانحاز خلف ببقية أصحابه إلى تيمتي، فأمر بإخراج جميع من فيها (419) من نفوسة، وآجل لهم ثلاثة أيام، فمن بقي بعدهن، فمهدور الدم والمال، فخرج اليتامى والمساكين والأرامل، ومن ليس له ذنب على كره منهم من منازلهم وأوطانهم، وافترق عن جلّ أصحابه، فكانوا يأتون أبا عبيدة، ويتوبون، فقبل توبتهم، وأوهن الله شوكة خلف، ولم تكن له بعد ذلك حركة، حتى مات في غيّه وزيفه. ثم ابنه فلم تكن له حركة. . ثم إن الإمام أفلح تمكنت له الأمور، ومات أبو عبيدة له، فاستعمل