الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧١الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
71
ثم إن الإمام أفلح بن عبد الوهاب أقام في الإمامة ستين سنة، حسن السيرة، رؤوفاً بالرعية، لا يخاف في الله لومة لائم، حتى توفي رحمة الله
عليه ورضوانه.
فولوا (422) من بعده ابنه أبا بكر)، فلم يحسن سيرته، وكان أخوه محمد بن أفلح (2) غائباً، فلما قدم عزلوا أخاه، وولوه، ولم يكن في توليته اختلاف، فحسنت سيرته، وبلغ في العدل والفضل غاية عظيمة، وكانت نفوسة لا تعدل بولاية إلا ولاية جده عبد الرحمن، وكانوا حول باب داره كالمسجد، طائفة يصلون، وطائفة يقرأون القرآن وطائفة يتحدثون في فنون العلم، ومكث
(1) أبو بكر بن أفلح أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، رابع الأئمة الرستميين في تاهرت، حكم بين عامي (258 - 261 هـ / 871 - (874 م تلقى العلم بتاهرت على يد علمائها، وعلى يد والده وجده. له ولوع بالشعر والتاريخ، وكان مشجعاً للعلماء، ومحباً لمظاهر الزخرفة والحضارة، لكنه لم يكن راسخاً في دينه، ولا محسناً لشؤون الإدارة والسياسة كآبائه، واتهم بالتآمر على قتل صهره محمد بن عرفة، ولذلك فقدت دولته هيبتها واتسعت رقعة الفتن والضعف، وضاقت عليه الحال، وقلت أنصاره، فترك تاهرت، وتنازل عن الإمامة لأخيه أبي اليقظان الذي عاد من المشرق سنة 261 هـ/ 874 م. فخلفه في إمامة الدولة الرستمية. ولم تدم إمامة أبي بكر إلا سنتين وبضعة أشهر. انظر: بابا عمي محمد بن موسى وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 87. (2) محمد بن أفلح: محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (أبو اليقظان) خامس الأئمة الرستميين وواسطة العقد عدداً، حكم بين عامي (261 - 281 هـ / 874 - 894 م)، ولد بتاهرت ونشأ فيها، تلقى العلم عن أبيه أفلح وجده عبد الوهاب، وكان كما وصفه ابن الصغير (أحد معاصريه): مربوع القامة، أبيض الرأس، واللحية زهداً ورعاً، ناسكاً، كانت له حلقات علم بتاهرت الرستمية، فتتخرج على يديه الكثير من المشايخ والأعلام، وكان من المكثرين في التأليف له «رسالة في خلق القرآن، وكتب في الردّ على المخالفين ابتلى بالإمامة في ظروف صعبة جداً، إذ ترك له أخوه أبو بكر الأمة متناحرة، بعد أن عصفت بها فتنة ابن عرفة، لذلك لم تستقر له الإمامة إلّا. سبع سنين في تنظيم وتصفية صفوف المجتمع من آثار الفتنة، وإليه يرجع الفضل في القضاء عليها، وبث الأمن والسلم والطمأنينة. وتذكر المصادر أنه سجن ببغداد مع أخ لخليفة عباسي قبل توليه الحكم سنة 261 هـ، بعدما قبضت عليه عيون بني العباس في موسم الحج، وتعلم خلالها الكثير من فنون السياسة والكياسة، خاصة وأنه كان مع أمير استدعي بعد خروجه من السجن لتولي الخلافة، لعله المعتمد العباسي، الأمر الذي جعله يطلق سراحه، ويسهل له العودة إلى المغرب، ليتولى هو الآخر إمامة دوليته. توفي محمد بن أفلح سنة 281 هـ، ولم تتجاوز تركته سبعة عشر ديناراً. انظر: بابا عمي، محمد بن موسى وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 259.
قضاها