الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨٥الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
85
(الشيخ أبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف): ومنهم أبو القاسم يزيد بن مخلد، وأبو خزر يغلا بن زلتاف الواشيين أيدهما الله، وكان أبو القاسم أسنّ من أبي خزر، وكان مسكنهما بالحامة، وقد تعلما مسائل الأصول من حسنون بن أيوب (1)، وأما غير ذلك من مسائل الفقه واللغة وفنون العلم فعن أبي الربيع سليمان بن زرقون، وكان أبو القاسم ذا مال كثير، وأبو خزر يأكل من كسب يده. وبلغا من العلم مبلغاً عظيماً، وقعدا للحلقة، فكان يأتيهما من أراد التعلم من أهل الدعوة، وكان (427) أبو القاسم يطعمهم، وينفق عليهم من ماله. وبلغنا عنه أنه مرّ برجل من الوراقين بمدينة القيروان يقال له: إبراهيم المشبه، يكتب تشبيه الله بخلقه، فتعجب أبو القاسم، وجرى بينهما كلام كثير، حتى قال المشبه: إذا زعمت أن الله ليس باسم ولا صورة ولا عرض، فأخبرني عمّن أراد أن يبطل ربّه كيف يقول؟ قال أبو القاسم: فليقل كما تقول. فانقطع الكلام
بينهما.
وكانت له منزلة عظيمة عند السلطان أبي تميم، فكثرت عليه الفتن عنده أنه يزيد الخروج عليه، فكتب أبو تميم إلى عامله بالحامة يأمره بقتل أبي القاسم، وأن يبعث إليه برأسه، فتلكأ العامل، ولم يرد قتله، فأشار عليه بالخروج إلى الحج، فقال: أنتم الوهبية تحتسبون إعادة الحج. فقال أبو القاسم: ليس الله عليّ
أن أحج مرتين.
رويت عنه
(1) حسنون بن أيوب: والصحيح سحنون بن أيوب، وهو عالم متكلم بارع فقيه أوانه، وعمدة مكانه، في العلوم روايات، وكان يعد من أهل الدرايات، تلقى العلم عن أبي يونس وسيم بن نصر، وعن أبي عثمان سعيد بن يونس. أخذ عنه جمع كثير منهم: أبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف. وله فتاوى ومسائل كثيرة في النوازل، وآثاره محفوظة غير منسية في جهة طرابلس آنذاك. يعد من الأئمة الثقاة المنبثة أسماؤهم في صدور الطبقات، جازت عليه سلسلة نسب الدين، إذ ذكره الوسياني قائلاً: عن أبي خزر عن سحنون بن أيوب، عن أبي يونس وسيم بن نصره. انظر: بابا عمي، محمد بن موسى، وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 169.