كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩٠

الجامع لأخبار الأمة

في كل مكان، فصادفت رسله أبا نوح يرعى إبلاً متنكراً، فعرفوه، فقالوا له: مثلك لا يرعى الإبل، فقيدوه، ومضوا به إلى أبي تميم، فأمر به، فألبس لباس الزنار، وجعلوا عليه الخلق الأطمار، وحملوه على جمل، فكانوا يطوفون به في الأسواق، وينادون عليه: هذا سعى في فساد الله، دين فيه زماناً ونحن سعي

رقود، سعى فيه بجبل نفوسة، ونُغيّرُ الإمداد بالأصفاد.

فلما كان آخر النهار، أنزلوه عن الجمل، وسجنوه، ثم بعد مدة طالبوه بما كتب الكتاب الذي لبني أمية، فأنكر ذلك، فأمروه فكتب، فناظروا به الکتاب الأول، فاتفقوا جميعهم على أن الأول ليس بخطه إلا رجل واحد قال: إن هذا لخط يد واحدة. ثم قال أبو نوح: يا سيدي إن كان تقبل لي حجة وترفع لي عذر تكلمت عن نفسي؟ قال: نعم، فاحتج عن نفسك. وكان أبو نوح فصيح اللسان، جريء الجنان، كثير البيان، فقال: كيف نكاتب بني أمية وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار، ويوم الجمل وصفين وهم الشجرة الملعونة التي ذكرها الله في كتابه.

فلما سمع أبو تميم سرّه وتبسم، وانطلق) (1) وجهه، ودفع إليه الكتاب الأول، فقال له: أنت الذي كتبت هذا الكتاب؟ فقال أبو نوح: والله ما هذا كتاب كتبته بيدي فاختلفوا في يمينه، فقال بعضهم: إنه لم يحلف، بل جعل الميم زائدة. وبعضهم قال: إنه بربري لا يفطن لهذا، ولا يفهمه. فقال أبو تميم: ما هذا بخطك يا سعيد (429) أرأيت لو صادفتني يوم، باغاي أكنت تتركني إلى غيرك؟ قال أبو نوح: لا أتركك إلى غيري. قال أبو تميم هذا أجمل بك، قد أقررت بالصدق.

ثم إنهم نزعوا عنه القيود، وأعطاه ثياباً نفيسة، وسأله عن أبي خزر. قال أبو نوح: لا أدري. قال أبو تميم لو كان صاحبك غائباً لجاءت به

(1) استدراك من النسخة الأصلية ب، ص 440.

٩٩٠ / ١٬٤٢٩