كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩٢

92

الجامع لأخبار الأمة

وأما أبو نوح كره المسير، فجعل يشرب على الريق ماء نخالة الشعير، ويغسل بها وجهه، وانقطع عن أبي تميم فسأل أبو تميم عنه، فقيل له: إنه مريض، فأرسل إليه، فلما أوتي به، فرآه مصفر الوجه، فظن أنه مريض، فسكت عنه، ورجع أبو نوح، ثم توجه إلى وارجلان، ثم توجه أبو تميم إلى مصر، وأخذ م معه أبا خزر، فلما خرجوا من القيروان، وكانوا ببعض الطريق أنشأ، أبو خزر يقول شعراً:

عليكم سلام الله إني مسافر ولم أدر بعد السفر هل أنا راجع عليکم سلام الله في كل ساعة سلام كثير دائم متتابع وإني إذا ما هجت ليلاً بذكركم أبيت حزيناً والنجوم طوالعُ أُحبُّ لقا الإخوان في كل ساعة لأن لقا الإخوان فيه المنافع (430) فيارب فاجمع بيننا في سلامة فإنك للخلق المشتت جامع وإلا فصبرني على طول غربتي فأنت لمن يدعوك يا ربّ سامعُ

تميم

مر

ثم مضوا قاصدين مصر، وكان أصحاب أبي تميم يطعنون عنده في أبي خزر كثيراً، لما رأوا من تعظيمه إياه، وتفضيله عليهم. فبلغنا أن أبا ذات يوم هو وأصحابه على زرع، قوم، وكان معه أبو خزر، فشق أبو تميم الزرع، ومرّ بعساكره وسطه إلا أبو خزر عدل ناحية. فقيل لأبي تميم: إن أبا خزر لم يرض طريقك، وعدل عن اتباعك، فغضب عليه، وقال له: لم ترض بطريقنا يا يغلا؟ فقال: وكيف لا أرضى بطريقك؟ قال: فهل لا تتبعني حين سلكت الزرع؟ فقال أبو خزر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا غابت الثريا فلا يدخل الزرع إلا ساقيه أو واقيه أو ناقيه»، فأنا لست بساقيه ولا واقيه، ولا ناقيه، وأما أنت فواقيه. فتعجب أبو تميم من بديهته وعلمه، وأعجبه حسن جوابه، فقال لأصحابه: ألم أقل لكم لا تقدرون على يغلا بشيء، فعذر عليهم أن لا يكلموه عنده فيه بعد ذلك.

٩٩٢ / ١٬٤٢٩