الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤٥وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عُرف في الفطرة
السليمة من الإعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق، والتجائه إليه في الشدة، وتوبة الله عليه عبارة عن هدايته إياه الى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء» (1) ثم قال: «فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة، طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص، وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء، وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجيء فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإنسان في أفراده مثلا للإنسان في مجموعه ـ قال ـ كأن تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة قويم الوجهة، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون، وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ماليس لهم طاعة للشهوة، وميلا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم فثار النزاع وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني، وهو معروف في تأريخ الأمم، ثم جاء
(1) المصدر السابق، ص 282 - 283
- 120 -