جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٥٢

ولا ينافي ذلك تحقق الوعد الذي وعد الله به ملائكته بنفس هذا الهبوط فإن لله أن يرتب ما شاء من أمره على ما يشاء، وله تعالى في كل شيء

حكمة.

وذهب ابن عاشور إلى أن هذه حكاية أمر ثان لآدم بالهبوط كي لا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه عند مبادرته بالتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته، ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى،

وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في الأرض

6

العقوبة

وهو ما أخبر به الملائكة، وفيه إشارة أخرى وهي أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات، وأما تحقيق آثار المخالفة ـ وهو التأديبية ـ فإن العفو عنها فساد في العالم، لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل، فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة، فإن الصبي إذا لوث موضعا وغضب عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه، فالعفو يتعلق بالعقاب، وأما تكليفه بأن يزيل بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه، ولذا لما تاب الله على آدم رضى عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا، ولكنه لم يصفح عنه في تحقق أثر مخالفته، وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء

ظنه. (1)

ورأيه يتفق مع رأي الفخر كما هو واضح من كلامه غير أنه أضاف

(1) التحرير والتنوير ج 1، ص 441 - الدار التونسية للنشر

- 152 -

١٬٠٣٠ / ١٬٨٩٨