الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٤وسائل للكشف والاستخبار، وإنما كانت الشريعة الإسلامية وحدها تضفي على تلك الأنحاء المترامية من الأرض الأمن والاطمئنان اللذين نعم بهما
المسلم وغيره من مواطنى الدولة الإسلامية، وذلك كله من إعجاز هذا أنه التشريع، وهودليل على عند من الله تعالى، إذ ليست فيه المفارقات والتناقضات التي في الأنظمة البشرية، وليس هو مجرد سياط لاذعة وسيف صارم كما يحلو للبعض، وإنما هو تربية للضمير الإنساني، وربط للفرد بمجتمعه، ووصل للإنسان بخالقه، ومن هنا كان كل فرد من الأمة يشعر بمسئوليته في حفظ النظام، والمحافظة على تنفيذ جميع بنود تشريعه، وكانت النفوس سرعان ما تتفاعل مع ما يقتضيه هذا التشريع ولا تتردد في تقبله وتطبيقه عمليا ولو اقتضى ترك أحب شيء إلى النفوس.
فالعرب كانت الخمر عندهم من أحب الأشياء إلى قلوبهم، والإنفاق فيها من أحسن السخاء عندهم كما تدل على ذلك أشعارهم التي يفتخرون فيها بمعاقرة الخمر والقضاء على الطارف والتليد فيها، ولكن لم يكد يقرع مسامعهم قول الله تعالى ويايها الذينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تَفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصْدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُنْتَهُونَ … حتى نزعوا الاسلام (المائدة. 91) الشفاه وأراقوا ما فيها من شراب كانت تصدى إليه أكبادهم
6
الأقداح من وتتشوق إليه قلوبهم، ولم يكتفوا بذلك حتى قاموا إلى الدنان فحطموها، فكانت الخمر التي هي من أعز الأشياء عندهم تجري آنهارا في زقاق المدينة ولم يكن شيء من ذلك خشية من صوت لاذع، أو سيف صارم، أو سجن رهيب، وإنما كان ذلك لما وقر في قلوبهم من الإيمان، واستقر فيها من حب الله وخوفه ورجائه، وإن شئت فقس ذلك إلى ماذكره بعض الكاتبين أن
98 -