الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٨معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للإرتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة، وعد الشوكاني الاشتغال بأمثال هذه البحوث تضييعا للأوقات، وإنفاقا للساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس، وجعل مثله مثل الذي يُعنى بكلام بليغ من البلغاء فيحاول إيجاد التناسب بين خطبه التي ألقاها في مقامات مختلفة، ولأغراض متباينة، ورسائله التي أنشأها لأسباب شتى، أو إلى شعر
6
شاعر فيجتهد في البحث عن المناسبة بين قصائده التي تكون تارة مدحا. وتارة هجاء، وحينا نسيبا، وحينا رثاء، واذا كان طالب ذلك في كلام البشر يعد راكبا للأحموقة فأجدر من طلبه في كلام الله أن يكون - في رأي الشوكاني ـ أشد حماقة، وأكثر غباوة على أن كلام الله أنزله بلسان عربي مبين، لم يخرج به عن مسالكهم، ولم يتجاوز أساليبهم))
(1)
وذهب آخرون إلى القول بالتناسب، وقد عُنوا عناية فائقة ببحثه حتى أن منهم من أفرد هذا الموضوع بالتأليف كالعلامة برهان الدين البقاعي الذي ألف في ذلك كتابا سماه «نظم الدرر في تناسب الآي والسور»، وقد سلك هذا المسلك غير واحد من المحققين، منهم الإمام ابن العربي الذي ذكر أنه عُني بشرح التناسب بين آي القرآن في تفسير كبير له لم يجد له أهلا فطواه عن الناس، والفخر الرازي في مفاتيح
(1) فتح القدير ج 1، ص 58 - 59 - الطبعة الأولى.
- 174 -