الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٣{وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنتُم تَعْلَمُونَ)
(الآية: 42 - البقرة).
هذه الآية ـ بما فيها من جمل - معطوفة على مجموع ما تقدم من قوله: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم … الخ، ففي الآيتين السابقتين خصوصا في قوله: ولا تشتروا تحذير من الضلال، وفي هذه تحذير من الإضلال، والإضلال لا ينشأ إلا عن الضلال، كما أن هدى الغير لا يكون إلا بعد هدى النفس
واللبس الخلط بين الأشياء المتشابهة حتى يتعذر تمييز بعضها من بعض أو يتعسر، ويتعدى بالباء واللام وعلى، بحسب اختلاف مقتضي الكلام، والباء هنا للإلصاق لأنهم منهيون عن الخلط بين الحق الذي أنزله الله عليهم، والباطل الذي استوحوه من هوى أنفسهم فأضافوه إلى المنزل، وهذا كما يقال خلطت البر بالشعير، والماء باللبن؛ وذهب الفخر الرازي إلى أنها الباء الآلية المسماه بباء الاستعانة، كالتي في قولك كتبت بالقلم، وعليه فالمعنى لا تجعلوا الحق ملتبسا على الناس بسبب الباطل الذي تأتون به، وهو ما يوردونه من الشبه الحائلة دون وصول حقيقة الحق إلى أفهام عوامهم، وهذا الذي ذهب إليه الفخر جوزه الزمخشري من قبل، وقال باحتماله كثير من المفسرين، واستدل له الفخر بقوله تعالى: وجادلوا بالباطل ليد حضوا به الحق) (غافر: ه)، وكونها للإلصاق أقرب لأن متعلقها مشتق من اللبس، وهو دال
- 183 -