الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٥عليه السلام فرارا من اضطهاد الدولة الرومية التي أذاقت بني إسرائيل ألوانا من العذاب، وكانت هذه الجماعة تحمل علم التوراة واختاروا المدينة لأنهم على يقين أنها دار هجرة الرسول المنتظر، فكانوا يتطلعون إلى بعثته، ويتدارسون صفاته، وتتوارث علم ذلك أجيالهم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر إليها ضاقت صدورهم لعدم كونه من بني إسرائيل فشوهوا الحقيقة وكتموا الحق
فإن الحق ما طابق الواقع، والباطل ما خالفه، وحمل لفظيهما على العموم أولى، وما ذكروه يندرج تحت ذلك
وكما نهوا عن لبس الحق بالباطل نهوا عن كتمانه لأن الحق أمانة
عند عارفيه، فعليهم أن يبلغوه من لا يعرفه، والذين يضلون الناس
،
عن سبيله لهم في ذلك نهجان بحسب اختلاف أحوال الذين يضلونهم لأنهم إما أن يكونوا على معرفة به أو بشيء منه، وإما أن يكونوا غير
عارفين به رأسا، فمسلكهم مع الطائفة الأولى خلطه بالباطل، وذلك
بإثارة الشبهات من حوله، حتى تعمى حجته وينطمس دليله
ومسلكهم مع
نوره
،
الطائفة الثانية حجبه عنهم حتى لا يلمع لهم شيء من
وجملة وتكتموا الحق معطوفة على ما قبلها فهي داخلة في
النهي، وهذا ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، إذ فسرها بقوله: ولا تكتموا الحق، وأجاز ابن جرير أن تكون الواو للمعية والفعل بعدها منصوبا، ووافقه أكثر المفسرين منهم الزمخشري
- 1 A 0 -