جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٩١

وقد تقدم معنى إقام الصلاة، وأما إيتاء الزكاة فهو إعطاؤها مستحقيها، وهي مأخوذة من زكا الزرع إذ انما، أو من زكا الشيء إذ طهر، فهي نماء للمال لأنها سبب لحلول البركة فيه كما أنها نماء لنفس المزكي لأنها توفر أخلاقه الحميدة، وتضاعف حسناته، وتقيه شرور

الدنيا والآخرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ويربي الصدقات (البقرة: 276)، وهي تطهير للمال وصاحبه، كما نص عليه قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (التوبة: 103)، وذلك أن النفس البشرية جُبلت على حب الاستزادة من الأموال، فإذا تركت وما جُبلت عليه تأصلت هذه الجبلة فيها فاستعصى علاجها وتعذر استئصالها فتسعى إلى توفير المال ولو على حساب الغير، وقد جعل الله إيتاء الزكاة وسيلة من وسائل علاجها والزكاة فُرضت في الإسلام في مرحلة مبكرة من تاريخ دعوته، وقد سبق شرح ذلك وبيان أدلته وهي الآيات المكية الآمرة بها، والمحذرة من التهاون فيها، والمادحة لمن حافظ عليها، ويعضد هذا أن في القرآن المدني ما يحكي أمر المؤمنين بها قبل مشروعية الجهاد ـ وذلك قبل الهجرة قطعا ـ وهو قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (النساء: (77)، وإنما فصلت أحكامها في العهد المدني، وهذا الذي دعا كثيرا من الفقهاء وغيرهم إلى القول بأنها لم تفرض إلا في المدينة، وكثير منهم قالوا: إن فرضها كان في السنة الثانية للهجرة، وحدد بعضهم ميقات فرضها من تلك السنة، فقال: إنها

- 191 -

١٬٠٦٩ / ١٬٨٩٨