الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٦وذهب مجاهد إلى أن الصبر هنا بمعنى الصوم، وتابعه عليه من
تابعه من المفسرين، وقصارى حجتهم عطف الصلاة عليه، والصلاة أنسب قرنها بالصيام، وهو قول ضعيف وحجة واهية، فإن حصر الصبر في الصوم تقييد المطلق لفظه في بعض ما يدل عليه، وقد علمتم ضرورة التقوي بالصبر لاحتمال هذه التكاليف، فلا داعي لهذا التقييد الذي لم يصدر إلا عن الوهم، وما أحوج الصلاة نفسها إلى سياج سميك من الصبر يحميها من هجمات العوارض المختلفة نفسية كانت أو فعلية، وأنى للمصلي إن لم يكن صبورا على حبس عقله وقلبه، وفكره ووجدانه، وسمعه وبصره، على ما هو مقبل عليه من ذكر الله، ومنع
جوارحه عما اعتادته من التلفت والحركات
•
واذا كانت الصلاة نفسها لا تخلو من الصبر لعدم الوفاء بحقها دونه، فإن عطفها عليه انما هو من باب عطف الخاص على العام، وقد خصصت بالذكر من بين سائر الأعمال المتوقفة على الصبر كالصوم والحج والجهاد لأجل أهميتها، لأنها عمود الدين، ولعمق أثرها في نفوس المصلين، وقد سبق شرح تأثير الصلاة النفسي والإجتماعي في تفسير بداية هذه السورة، وقدم عليها الصبر لأن مفهومه الأساسي ترك الجزع بينما مدلول الصلاة فعلي، ومن الأمثلة السائرة «التخلي قبل التحلي» أي التخلي عن النقائص والمذام قبل التحلي بالكمالات والمحامد، والإنسان
لا يكون للخير أهلا، وللفضيلة خدنا حتى يتجرد من الشر والرذيلة
،
والذين فسروا الصبر بالصوم ذهبوا الى أن تقديمه على الصلاة لأن تأثيره
- 236 -