الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٧ومما يدعو إلى الاستغراب التناقض الغريب بين كلامي الفخر
الرازي في هذا الموضوع، فبينما نجده يقول: «إن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الانسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث أنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم
وذلك
يعم
كل من يحضر في ذلك اليوم» (1) إذا به يجادل بغير هدى من الله مدعيا أن نفي الشفاعة خاص بغير المؤمنين وأعجب من ذلك دعواه أن قوله تعالى: ومن قبل أن يأتي يوم
لا
بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (البقرة) (254، محمول كذلك على هذه الخصوصية (2)، متعاميا عن افتتاحه بـ يا أيها الذين آمنوا. .)، وقد كان الجدير بأمثاله من أولي الأقدام الراسخة في العلم والفهم أن لا ينثنوا عن الحقيقة إلى الوهم وأن يترفعوا عن التعصب إلا للدليل نعوذ بالله من الحور بعد الكور. والجواب عن الثاني أن ما ذكروه من ثبوت شفاعته الرافعة
لدرجات المؤمنين لا يتعارض مع
ما دلت عليه هذه الآية حتى يُعد
مخصصا لها فإن ذلك إنما هو في قوم وفّوا بما عليهم من الواجب واحترزوا
(1) التفسير الكبير ج 3 ص 55 - ط. الثانية.
(2) المرجع السابق ص 65.
- 267 -