الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٢لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تأريخ أمتهم الماضي ليتذكروا صنع الله تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء، وسعادة وشقاء، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم وما ينتظر أن يحل بهم، وإنما الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل، فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق، تعثر الرجل فتخدش أو توثاً، والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوي فيها رجله وسائر أعضائه، ولذلك يسعى بجملته لإزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينا بكل أعضائه وقواه (1)
والتنجية التخليص من الأذى، وأصلها - عند القرطبي - الإلقاء على نجوة من الأرض، وعند غيره هي الأصل وأخذت منها النجوة لارتفاعها وخلوصها عن سائر الأرض، ولأنها مظنة النجاة والآل هم الأهل والعشيرة والأتباع وليس خاصا بذوي القرابة النسبية، والدليل على شموله الأتباع هذه الآية وأمثالها، فإنه مما يدرك بداهة أن الذين كانوا يسومون بني إسرائيل الخسف وينزلون بهم سبوء العذاب لم يكونوا خاصة فرعون فحسب بل هم جميع أتباعه، كما أن الذين عوقبوا بالغرق مع فرعون ما كانوا ذوي قرابته وحدهم بل جميع جنوده كما نص عليه قوله تعالى: فأخذناه وجنوده القصص: 40، ويدل أيضا على شمول الآل لجميع الأتباع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «آل محمد كل تقي»، وقد أجاد الإمام اللغوي نشوان ابن
(1) المنار الجزء الأول ص 309، 210 - الطبعة الرابعة.
الآية
- 292 -