الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٥وفاق
مع أن مدة بقائهم فيها نحو أربعمائة عام، وقد كانوا بداية الأمر على مع المصريين غير أن نمو عددهم المتزايد وبقاءهم محافظين على عاداتهم وعباداتهم غير ذائبين في الشعب المصري، كان ذلك كله مصدر قلق للمصريين إذ لم يأمنوا أن يصبحوا في يوم من الأيام أكثر عددا وأقوى مع احتمال ارتباطهم بالشعوب المجاورة التي كانت تثور في وجه فرعون مصر فيخمد ثوراتها بعنف تنتج عنه خسائر فادحة في ماله ورجاله، ومن بين هذه الشعوب الشعوب الكائنة بأطراف جزيرة العرب، وهذا الذي دعا فرعون وآله إلى التفكير في وسائل التخلص
عدة
منهم ليأمنوا هذا الجانب، فأخذوا يستذلونهم ويكلفونهم من مشاق
،
الأعمال ما لا تقواه نفوسهم وأجسادهم رجاء انقراضهم بقلة نسلهم. وتفشى الأمراض والموت فيهم، ولكن - الأمر أراده الله ـ كانوا مع ذلك يتكاثرون، ولم يمت في نفوسهم الشعور بالعزة والإباء لاعتقادهم أنهم شعب الله وصفوته من خلقه، وقد كان بقاء هذه القوة المعنوية في نفوسهم شبحا مخيفا يتراءاه آل فرعون لأن انقراض الشعوب أو الأمم إنما يكون بموت معنوياتها، وإذا بقيت المعنويات فلا مطمع في انقراضها رغم التعذيب البدني والتصفية الجسدية.
وما من شك في أن الإذلال الدائم لأي مجتمع أو شعب أخطر وسيلة في إعدام نخوته وإبادة شعوره بالعز والإباء، فإن نسول المستذلين لا تكون إلا ذليلة، وماذا عسى أن تكون حالة جيل يفتح عينيه فيرى أصوله ترزح في قيود الذل وتحت وطأة القهر والاستعباد؟ فهل يكون مثل
- 295 -