الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣١٣سبيل للسالكين
واختلف في الباء في (بكم)؛ قيل إنها للآلة، ومعنى ذلك أن الفرق حصل بسلوكهم، وعبر عنها بعض المفسرين بالاستعانة، وهو تعبير لا يليق بواجب الأدب مع الله تعالى، فإنه هو الذي أسند إليه الفرق، وهو أجل من أن يستعين بشيء، وإذا عُبر عن هذه الباء بأنها للاستعانة إذا أسند الفعل إلى غيره فإن هذا التعبير يجب استبداله بما يتفق التأدب أمام الربوبية إذا أُسند إليه تعالى، وقيل: هي للسببية فتكون بمعنى اللام إذا ما قيل بجواز تعليل أفعاله تعالى لعدم الفرق بين قولك: وقولك فعلته بسببك، إذ كان المخاطب هو
مع
فعلت هذا لأجلك
،
الباعث على الفعل؛ وعند من يمنع تعليل أفعاله سبحانه فهي للسببية الشبيهة بالسببية الباعثة على الفعل في ترتبه على مدخولها وكونه هو
المقصود به
وذكر الألوسي أن الدامغاني نقل عن العرب أنهم يقولون: غضبت لزيد، إذا كان الغضب من أجله وهو حي، وغضبت بزيد، إذا غضبت من أجله وهو ميت، وأتبع ذلك الألوسي قول: «ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين (1)
وجوز أن تكون الباء هنا للمعية - ويُعبّر عنها بالملابسة ـ ومعنى ذلك أنهم كانوا بمعية الله تعالى عندما فرق البحر لينجوا من عدوهم أي كانوا محفوفين بنصره مشمولين برعايته، وهو معنى قول موسى عليه السلام الذي حكاه الله عنه: كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء: 62)
(1) روح المعاني - الجزء الأول ص 255 - دار احياء اتراث العربي.
- 313 -