الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٧وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)
(الشورى: (30)، والمراد بالعفو في هذه الآية قبول توبة بني إسرائيل من عبادتهم العجل، وثم هنا كسابقتها، إما أن تكون للمهلة الزمنية لأن قبوله تعالى التوبة منهم كان بعدما رجع موسى إليهم وأمرهم بقتل أنفسهم تكفيرا لسيئتهم، ولا يخفى ما بين الأمرين من المهلة؛ وإما للمهلة الرتبية، وقد أراد الله بها شد عقول السامعين إلى سعة حلمه وواسع مغفرته، فبعد هذا العنت وهذه المكابرة للحق، ومغالطة الحقيقة من بني اسرائيل الذين بسط الله لهم نعمته، وأراهم في تنجيتهم من عدوهم آيته، قبل سبحانه توبتهم مع ما اقترفوه من الإشراك بالله، واتخاذ الند له تعالى
وقد تقدم القول في لعل فيما تقدم من تفسير هذه السورة، كما تقدم القول في الشكر في تفسير الفاتحة الشريفة، وإنما بقى أن أضيف الى ذلك أن مادة الشكر تدل لغة على الظهور، فهي على النقيض من الكفر الدال على المواراة والإخفاء، ومن هذا الباب قولهم: «دابة شكور» اذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، والضدية المفهومة من هذين اللفظين لغة تنعكس عليهما اصطلاحا، فكما أن الشكر هو القيام التنكر
بحقوق المنعم باستخدام نعمته في مراضيه، فكذلك الكفر هو لهذه النعمة بطمسها أو استخدامها فيما يسخط من أنعم بها، ويدل على هذا التقابل بينهما قوله تعالى حكاية عن عبده سليمان عليه السلام: ليبلوني أأشكُرُ أم أكفرُ} (النمل: (40)، وقوله في الانسان: إن
- 327 -