جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٦٢

السجود سكون، والدخول حركة فيتعذر أن يجتمعا، وقال الزمخشري أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا (1)؛ واعترضه أبو حيان بأن ما ذكره ليس مدلول الآية لأنهم لم يؤمروا بالسجود في الآية عند الانتهاء إلى الباب، بل أمروا بالدخول في حال السجود، فالسجود ليس مأمورا به، بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية، فتناقضتا إذ يستحيل أن يكون الشيء تقييديا اسناديا لأنه من حيث التقييد لا يُكتفى كلاما، ومن حيث الإسناد يكتفى، فظهر التناقض (2)، ورده الشوكاني بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال اخرج مسرعا فهو آمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفا للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسبا تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيودا مأمورا بها هو شيء زائد على مجرد التقييد (3)

وللإمام ابن عاشور في هذا الأمر بالسجود تفسير يتلاءم مع ما ذكرته من قبل عنه في تفسير الأمر بدخول القرية، وحاصل ما قاله أن المقصود بالسجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كي لا يفطن لهم أهل القرية، وهو مما تقتضيه مهمة التجسس التي بعثوا من أجلها، واستبعد أن يكون السجود المأمور به سجود شكر، لأنهم كانوا عيونا ولم يكونوا فاتحين، واستظهر مما جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية

(1) الكشاف ج 1، ص 142 - دار الكتاب العربي (2) البحر المحيط ج 1، ص 222 - مطابع النصر الحديثة (3) فتح القدير ج 1، ص 73 - 74 - ط. مصطفى البابي الحلبي

- 362 -

١٬٢٤٠ / ١٬٨٩٨