الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٦متعددة، والجمع بينها محتمل بأن يكونوا قالوا كل ذلك سخرية واستخفافا، وقد أخذ بهذه الروايات جمهور المفسرين، وخالفهم أبو مسلم الأصفهاني من المتقدمين، فحمل التبديل على مطلق المخالفة
سواء دخلوا على غير الوجه المطلوب أو لم يدخلوا رأسا، لأن في كل ذلك تبديلا لما أمروا به، فهو تبديل لقول الله، واستشهد لتفسيره هذا بقوله
تعالى: سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله الفتح) (15) فإن التبديل المقصود هنا لا يُقصد به وضع كلمة مكان أخرى، وما هو إلا مجرد مخالفتهم لحكم الله، وانتقد الألوسي قول أبي مسلم وقال: «ظاهر الآية والأحاديث تكذبه» (1)
ووافق أبا مسلم من مفسري المتأخرين الإمامان محمد عبده ومحمد رشيد رضا في سورتي البقرة والأعراف، وقد عد الإمام محمد عبده الروايات المنقولة من الإسرائيليات التي لا يجوز أن يُحشى بها تفسير كلام
الله
، ووجه السيد محمد رشيد كلامه بما حاصله أن حديث أبي هريرة وإن روى في الصحيحين لم يثبت رفعه لاحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من كعب الأحبار لعدم تصريحه بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، على أن راويه عن أبي هريرة همام بن منبه أخو وهب وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات (2). وهذا ليس بشيء، فإن أبا هريرة رضي الله عنه صرح ـ كما في
(1) روح المعاني ج 1، ص 266 - دار احياء التراث العربي
(2) المنار ج 9، ص 373 - الطبعة الرابعة
- 366 -