الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٢تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم، وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية، فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف، ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات، على أسبابها، وذلك من نواميس نظام العالم، وإنما الذي
يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي» (1). ومن أمعن في ألفاظ الآية وما توحيه من ملابسات هذا القول الصادر منهم يدرك أنه ناشيء عن تعنتهم في الكفر، وإمعانهم في الصدود، وإغماضهم أبصارهم عن آيات الله الداعية إلى الإيمان، فاستخفافهم بالنعمة جَلي في مقولتهم هذه، وكفى بذلك معصية؛ كيف وقد يسرها الله تعالى لهم بطريقة غير عادية هي أدعى إلى الإيمان والشكر؟ ولا نسلم أن ما عوقبوا به من ضرب الذلة والمسكنة عليهم لا يتعدى أن يكون من الأمور العادية المترتبة على مخالفة نظام الحياة فحسب بدليل قوله تعالى: وذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، وما إنزال المن والسلوى عليهم وهم في التيه إلا من تلك الآيات التي كفروا بها إذ لم يقدروها حق قدرها، فلم يعتبروا بها، بل بقوا في عماهم يترددون وفي ضلالتهم يعمهون، وفي شكهم يغدون ويروحون، وليس أدل على شكهم من هذا الطلب ونحوه، وكفى به إثما مبينا
•
ولم أجد دليلا على ما قاله الإمام ابن عاشور بأن الله لم يرهم
(1) التحرير والتنوير ج 1، ص 521 - الدار التونسية للنشر
- 382 -