الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٣واستعمل في معان تقتضي شدة اللصوق كالضرب في الأرض بمعنى السير فيها، وضرب القبة والبيت بمعنى شدهما ووثقهما من الأرض، وضرب الطين بالجدار إذا ألصق به، ومنه ضرب لازب، ومادته تدل على الشدة، ويراد بضرب الذلة والمسكنة عليهم إلصاقهما بهم كما يلتصق الطين بالجدار أو إحاطتهم بهما كما تحيط الخيمة بالموضع الذي ضربت فيه، ومن حيث إن حروف الضرب تشي بالشدة، كان اختيار هذا اللفظ على غيره في الإخبار عما لحقهم من الذل والهوان أعمق في الدلالة على المعنى وأكثر تناسبا مع المقام
والذلة هوان النفس وصغارها، وهو خلق نفساني دنيء يدفع
بصاحبه إلى الاستخذاء والاستكانة للمتسلط الذي يستذله بقهره
ويستعبده بجبروته
والمسكنة ما يظهر من أثر هذا الخلق على البدن من السكون
والانزواء اللذين يشيان بالرضى بما يلحق النفس من إذلال المستعبد الجبار وسمى الفقر مسكنة، لأن من شأنه أن يقلل حركة صاحبه
وهاتان الصفتان من أسباب خور العزيمة ودنو الهمة وتلاشي القوة فلذلك
كانتا مكروهتين للمسلم لأنهما لا تليقان بمكانته التي اختاره الله لها والأمانة التي حمله إياها، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
(المنافقون: (8)
واليهود
•
،
من أشد الناس مسكنة وذلة، وقد سلط الله عليهم
الأمم، وكتب عليهم الهوان، بعدما أنعم عليهم بالملك والنبوة، فبدلوا
- 393 -