جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

عليه أفضل الصلاة والسلام في عقر داره ورزأته في كثير من أصح

-

فكيف وهو يذهب بأصحابه إلى دارهم، فهل ترضى الأنفة القرشية والحمية العربية التي تتأجج نارها في صدورهم أن يمر بهم خصومهم ويطأوا ترابهم من

غير

أن يبيدوهم عن بكرة أبيهم؟ هذه الخواطر كانت تعتمل في نفوس المنافقين في المدينة، ويتحدثون بها فيما بينهم، هذا ولم يكد رسول الله والمؤمنون يستنشقون عبير البيت الحرام ويشمون العرف الذكي من التربة الحرمية المقدسة حتى وقف بين أيديهم المشركون سدا منيعا يحولون بينهم وبين ما يطمحون إليه، وبركت ناقته الا الله مكانها بالحديبية ولم تتقدم خطوة إلى الأمام، وأخبر النبي عل الله أنها حبسها حابس الفيل، ووافق (عليه أفضل الصلاة والسلام) على أي خطة تسألها منه قريش، فتمت بينه وبينهم المعاهدة المعروفة بصلح الحديبية، وكان ظاهر هذا الصلح استعلاء المشركين على المسلمين، إذ كان من بنوده، أن كل هارب من جانب المسلمين إلى المشركين فللمشركين أن يلجئوه، وكل لاجيء من جانب المشركين إلى المسلمين فليس للمسلمين أن يلجئوه، وكانت هذه مصيبة نزلت كالصاعقة على رؤوس المسلمين، وقد كبر عليهم الأمر حتى أن الرسول الله كان يأمرهم ثلاث مرات أن ينحروا هديهم ويحلوا إحرامهم بالحلق أو التقصير فتلكأوا في امتثال أمره مع ماعُرفوا به من المبادرة إلى طاعته علي في كل ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه، وقد شق ذلك على رسول الله الله فدخل مهموما على زوجه (أم سلمه)، فأشارت إليه أن يخرج ولا يكلم أحدا وينحر هديه ويدعو بحالقه فيحلق له، ففعل النبي علا الله ما أشارت به عليه، فتبادر أصحابه إلى بدنهم ينحرونها، ثم أحلوا إحرامهم بالحلق والتقصير وكاد بعضهم يقتل بعضا من الغم، وفي هذا الجو العابس نزلت هذه السورة على رسول الله لا الله تحمل بشائر المستقبل الباسم، وحسبك

123

-