الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤١٤الشاردين، وذلك أن الإنسان بإيمانه بالخالق العظيم تنبعث في نفسه بواعث على طاعة هذا الخالق الذي أحسن صنعه وصنع كل شيء،
وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولكن مؤثرات شتى ـ منها نفسي ومنها أجنبي ـ كثيراً ما تقف بهذه البواعث وتصرف النفس عن الشكر إلى
الكفران، وعن الطاعة إلى العصيان، وعن الذكر إلى الغفلة، وعن الهدى إلى الضلالة، فتيار الشهوات العارم قد يقضي على كل أثر للضمير في النفس، وعواصف الغرائز الهوجاء قد تطفئ كل جذوة من العقل، إلا انه اذا آمن مع ذلك بالمعاد الذي يحاسب فيه على ما قدم وأخر، وأسر وأعلن قوي في نفسه جانب عقله وضميره وأمكنته مقاومة شهواته وغرائزه وتذليلها حتى يقتادها في النهج السوي، فتكون منا شيء للرحمة والخير والإحسان، ومن هنا كان المؤمن بالله واليوم الآخر آخذاً من حبل الإيمان بطرفيه، وهذه هي حكمة اقترانهما وتكررهما في القرآن والسنة خصوصاً في معرض الأمر أو النهى، وفي مقام الدعوة أو
التحذير. والعمل الصالح أثر من آثار الإيمان لا يمكن انفكاكه عنه كما لا ينفكُ الظلُّ عن الجسم لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضيان الانقياد لله في حكمه والإذعان له في أمره، كيف والآمر الناهي هو الله الخالق الكريم الذي منه المبدأ وإليه الرجعى، والذي يجزي كل أحدٍ بما عمل:
فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره والعمل الصالح ما وافق أمر الله ونهيه فيدخل فيه اجتناب
-212 -