الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٢أو أن في الكلام محذوفا تقديره الله أمرك أن تتخذنا هزوا، أو أنهم
قصدوا بالاستفهام الاسترشاد لا الإنكار والعناد (1).
زيفها.
وهذه المعاذير لا تغني فتيلا، ولا داعي إلى أن أشغل الوقت ببيان
وجوابه لهم بقوله: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين يقتضي أن الاستهزاء ليس من شأن العقلاء العالمين وإنما هو من شأن السفهاء الجاهلين فكيف يصدر من نبي مرسل في مقام الدعوة إلى الحق وتبليغ أمر الله، وهو وإن أسند الى الله في قوله: الله يستهزئ بهم فليس هو على حقيقته وإنما أريد مجازاتهم على استهزائهم كما سبق، واستعاذته عليه السلام من كونه من الجاهلين في هذا المقام مشعرة بأن الجهل لا ينحصر في عدم المعرفة بالشيء أصلا وهو من شأنه أن يعرف، وفي اعتقاده بخلاف ما هو عليه بل يطلق الجهل على الإتيان بالشيء بخلاف ما كان ينبغي إتيانه، لأنه مما لا يصدر عادة إلا من الجاهلين به وصدوره من العارفين به يلحقهم بمصاف الجاهلين، إذ لا تعد الخبرة بالإتقان مع
عدمه شيئا.
ومراده عليه السلام بالجاهلين هنا الجاهلون بأمر الله الذين يهرفون بما لا يعرفون، فيأتون بالهزل في مقام الجد ويلبسون الحق بالباطل، أو الجاهلون بجواب ما سأل عنه بنو إسرائيل من شأن القتيل
الذي لم يعلم قاتله، ذلك لأنهم لم تمتد أنظارهم القاصرة إلى بعد
(1) البحر المحيط ج 1، ص 250 - مكتبة ومطابع النصر الحديثة
- 442 -