الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٣خطابه، ولم تصل أفهامهم إلى حقيقة مراده
وبعد هذا الجواب الجاد انتبهوا إلى أن الأمر بعيد عن الهزل وأدق من أن تدركه مشاعرهم الغليظة، فاستسلموا مع شيء من العناد يتمثل في هذا التقصي في طلب كشف أوصاف البقرة التي أمروا بذبحها، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، وليس الاستفهام بما هنا عن الماهية، وإنما هو عن أوصافها ذلك لأن ما يستفهم بها عن الصفة كما يستفهم بها عن الماهية، فلو تحدث متحدث عن حاتم فسأله سائل: ما حاتم؟ كان جوابه: كريم، وكذا لو سأل أحد عن الأحنف وهو يعلم أنه من جنس البشر بقوله: ما الأحنف؟ فجوابه: حليم، ولكل شيء أوصاف متعددة يجوز السؤال عن كل منها بـ «ما»، وقد علم الله الوصف الذي هم قاصدوه بهذا الاستفهام الذي منشؤه حيرتهم، من كون معرفة قاتل ميتهم تكون بإماتة حي من جنس البقر، إذ لا علاقة بين الأمرين حسبما يبدو قبل الإطلاع على سر أمر الله، وتتضاعف هذه الحيرة إن كانوا سمعوا من موسى عليه السلام أن بذلك يتم احياء الميت المقتول بضربه بجزء من البقرة المذبوحة، فإن تصور حياة ميت بضربه بجزء من ميت آخر لا يكون مع الالتفات إلى طبيعة تأثير الأسباب في مسبباتها، وإنما يحصل ممن آمن إيمانا مطلقا برب الوجود الذي يهيئ من الأسباب لما يشاء من المسببات من غير تقيد بسنة مألوفة
ما شاء
ونواميس معروفة، وقد كان استفهامهم عن السن فأجيبوا بقوله: إنه
•
يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك
- Eer-