الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٩٢ما هم مجبولون عليه من حب هداية البشر مع ما يعرفونه عن أهل الكتاب من مزايا اختصوا بها كعلم النبوات وتوفر البشائر عندهم بمبعث خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وقوله: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنكارا لما ذكر عنهم من التلون في حال ملاقاة المؤمنين وخلوهم إلى اخوانهم من الكافرين بحيث يلقون هؤلاء بوجه وأولئك بآخر فإن هذا التصرف من شأنه أن لا يصدر إلا ممن يظن أن حيلته ومكره يحولان بين ما هم آتُوه وعلم الله سبحانه، وإذا كانوا من ضلال الفكر وزيغ العقيدة بحيث يحسبون أن الله سبحانه تخفى عليه الخوافي من أعمالهم بسبب تحريفهم للكتاب، ووصفهم الحق تعالى بما لا يليق بعظم جلاله وعلو شأنه، فإن آيات الله في أنفسهم وفيما حولهم من مخلوقاته تنادي عليهم بالإفك، وتشهد عليهم بالضلال، فلو ألقوا نظرة الى شيء منها لأدركوا أن الله سبحانه يعلم السريرة كالعلانية، ويحيط بالجزئيات كالكليات،
فلا مفر لهم منه، ولا مناص لهم عن عقابه، فهو سبحانه يعلم
يسرونه من الكفر كما يعلم ما يظهرونه من دعاوى الإيمان
ما
وقدم هنا ذكر ما يستر على ما يعلن، بخلافه في قوله تعالى: وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} (البقرة: 284)، لأجل التأكيد هنا بأن الله يعلم السريرة كالعلانية عكس ما يتوهمون، ولأن قوله: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه في معرض ذكر الحساب، والحساب يبدأ بالأعمال الظاهرة ثم بالخفايا
- 492 -