الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٩٦وتطلق الأماني على الأكاذيب؛ لأن الكاذب يتكلف تقدير ما يخطر
بباله من الخيالات النفسية حتى يخرجها للسامعين في صورة حقائق
الله
عنهم
واقعية، ومن شواهد ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي أنه قال: ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت، وقول بعض الغرب
لا بن دأب ـ وهو يحدث ـ أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته، وبه فسر ابن عباس ومجاهد الأماني هنا، وجنح إليه ابن جرير، وهو مع التحقيق موافق للقول الأول وليس الخلف بينهما إلا لفظيا فإن ما سبق ذكره من
أمانيهم الخادعة ما هو إلا إفك اصطنعته ألسنتهم حسبما زين لنفوسهم. وفسر جماعة الأماني بالقراءة، وحملوا الآية على أنهم ما كانوا يعلمون من الكتاب إلا كلمات تلوكها ألسنتهم من غير أن يفقهوا لها معنى، أو تترك في نفوسهم أثرا، واستشهدوا لذلك بقول الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر ويقول الآخر:
تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسل كما استشهدوا له بقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته (الحج: 52)، وفي الاستشهاد بالآية نظر لأنه. مبني على اسطورة الغرانيق الداحضة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما فيها عندما نصل بعون الله وتوفيقه في التفسير إلى سورة الحج. ومهما يكن المراد بالأماني فإن الآية الكريمة تنادي بالضلال
- {97 -