الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٤ضلالاتهم، ولموقع هذا العطف حصلت فائدة الاستئناف البياني إذ
يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإجرام (1)
وبيان ذلك أنهم اعتقدوا أنهم لا نجاة لهم من هذا العذاب سواء أقلوا من المعاصي أم أكثروا، فلذلك لم يبالوا بمعصية يرتكبونها أو حرمة ينتهكونها أو واجب مقدس يضيعونه وقد بين لنا الحق تعالى في سورة آل عمران أن
هذه عقيدتهم هي مصدر نبذهم الكتاب وراء ظهورهم، وذلك حيث قال: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون. ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (آل عمران: (24).
والأيام المعدودة التي زعموا أن عذابهم منحصر فيها، قيل: هي سبعة أيام لأن عمر الدنيا - حسبها زعموا - سبعة آلاف عام، فهم. يعذبون يوما عن كل ألف عام، وقيل: أربعون يوما بقدر أيام عبادتهم العجل، وقيل: بقدر ما يقطعون ما بين طرفي النار لأن عرضها - حسبما زعموا ـ أربعون عاما وهم يقطعون مسيرة كل عام في يوم حتى يصلوا إلى شجرة الزقوم.
ووصف الأيام بأنها معدودة يؤذن بقلتها فقد سلكوا مسلك
،
العرب في تعبيرهم لاحتكاكهم بهم، وتأثرهم بأساليبهم، وقد كانت العرب تصف القليل بالمعدود، إما لعدم اعتنائهم بالحساب، وإما لأن
(1) التحرير والتنوير الجزء الأول ص 579 الدار التونسية للنشر (بتصرف).