الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥١٨عن جميع أنواع خلقه بضرورته إلى التعايش الاجتماعي، إذ لا يمكن لفرد منه أن يستقل بمصالحه عن مجتمعه، والمجتمعات إنما تتكون من الأسر، بل الأسرة في حقيقتها مجتمع أصغر، والمجتمع أسرة كبرى، فإذا انحلت الروابط الأسرية تلاشت بالأحرى النظم الاجتماعية، ولم يعد فرق بين الناس والسباع إذ ليست المدنية مباني تشاد، ومدنا تخطط وتعمر بقدر ما هي تواد وتعاطف وتآلف وتعاون بين الناس، وسيأتي
الحديث إن شاء الله عن حق ذوي القربى في الإسلام في موضعه واليتامى جمع يتيم وهم من البشر الذين مات عنهم آباؤ هم قبل البلوغ، ولا يتم بعد البلوغ، وقد حضت الشرائع على مراعاتهم والإحسان إليهم بحسن التربية والتوجيه السليم، ومواساتهم بالمال مع الاحتياج، والمحافظة على أموالهم، والعناية بجميع مصالحهم حتى يبلغوا رشدهم، لأن اليتيم بحاجة إلى الرقة والرحمة، والتربية والتوجيه، فإن من شأن الناس أن يعطفوا على أولادهم ويعرضوا عن أولاد غيرهم، فإذا لم يحضوا على الإحسان إلى اليتامي ماديا ومعنويا فقد اليتيم ما هو أحوج إليه من العطف والرحمة، والإرشاد والتوجيه فيضيع وسط تناسي الناس له، وكثيرا ما يؤدي به ذلك إلى الانحراف والشذوذ لأنه ينشأ ساخطا على مجتمعه الذي أضاعه، غير قادر على التحكم في رغبات نفسه وشهواتها، وإذا كان الكبار كثيرا ما ينجرفون وراء تيارات الفساد لغلب شهواتهم على عقولهم، فما بالكم بالأطفال الذين لا يجدون من يوجههم إلى الطريق المستقيم، وليس لهم ما يردعهم عن الانحراف
-014 -