الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٣٤لأنه إما أن يكون للاستخفاف بالآمر، أو لعدم التصديق بالامر، وكلاهما كفر ولا يستبعد كل منهما من اليهود بعدما تقرر عنهم من وصف
الله تعالى بما لا يليق بجلاله، كقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء (آل عمران: 181)، وقولهم: يد الله مغلولة (المائدة: 64)، ومجاهرتهم الأنبياء بالشك فيما جاؤ وهم به عن الله، كقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة (البقرة: 55)
ويحتمل أن يكون الكفر هنا كفر نعمة، فإن ترك أي شيء من الواجبات الدينية الثابتة بالقطع، وارتكاب أي شيء من المنهيات القطعية ـ مع الاعتراف بالوجوب والنهي - هما كفر بنعمة الله، كما سبق تقريره، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير ما يحكى عنهم من جوابهم للذين يسألونهم عن هذا التناقض الذي يفيد اعترافهم بأنهم منهيون عن مقاتلة بعضهم لبعض ومطالبون بأن يفدوا أسراهم، ويدل على أنهم يدينون بهذا الحكم وإنما يأتون ما يأتونه انتهاكا بل يدل عليه دلالة صريحة قوله تعالى: ثم أقررتم وأنتم تشهدون.
وبما أن كثيرا من علماء المذاهب الإسلامية لا يقولون بكفر النعمة حاروا في تفسير الآية حتى أفضت الحيرة ببعضهم إلى القول بأن المراد بكونهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض إيمانهم بموسى وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد أبعد هذا القائل النجعة، وهرب من الواضح إلى المشكل، فإن المقام ليس مقام حديث عن نبوة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وإنما هو مقام ذكر ميثاق أخذ عليهم فوفوا ببعضه
- OTE -