الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٣صدام بينها أو خلل في سيرها، واكتشاف الإنسان لهذه الحقائق إنما هو اكتشاف لنوع آخر من إعجاز القرآن الذي تحدث عنها قبل تصور الإنسان لها بأكثر من عشرة قرون، ولكن بما أن القرآن هو خطاب الغيب الموجه إلى الدهر كله لا يتصادم في أخباره مع عقلية أي عصر من عصور هذا الدهر، فكل عصر يفهم من لغته بقدر اتساع آفاق علمه وهذا من إعجاز بيانه كما ذكرنا من قبل، ولا يكاد التطور العلمي يتمخض عن حقيقة انطوى عليها سر الوجود إلا وتجد القرآن الكريم إما دالا عليها بوضوح عبارته أو موميا إليها بمجمل إشارته، وقد وعد الله سبحانه بتجلية هذه الحقائق للناس لتستبين لهم حجة القرآن الذي دل عليها أو أشار إليها وليعلموا أنه من عند الله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ محيط .. والصمت /01003 ولعمري ما أبين دلالة هذه الآيات على ما اكتشفه الناس
(ot.
في أنفسهم وفي الكون من حولهم من نواميس الخلق وأسرار الوجود التي يعد كل فرد منها شاهد صدق على إعجاز القرآن فلا يبقى معه مجال للشك، وفي التأكيد المتتالي بأن الله على كل شهيد وأنه بكل شيء محيط دلالة واضحة على أن مدلول الآية أوسع وأشمل وأدق مما وصلت إليه أفهام الناس، ومن قبل هذه الاكتشافات. وما أحسن ما قاله الأستاذ الرافعي «إن لم يكن الإعجاز في هذا التعبير ظاهر بداهة فليس يصح في الأذهان شيء، وتشير بداية سورة الفرقان إلى انطواء القرآن الكريم على عجائب الخلق في هذا الكون فقد جاء فيها وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا إِفْكَ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا اسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً
137 -