الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٥٥المشركين، فكيف لا يكون قليلا أو أقل بعد ما جاء ما كانوا ينتظرون
وعرفوا أنه الحق ثم كفروا (1).
وذهب الإمام ابن عاشور، إلى أن الواو عاطفة، والمعطوف عليه «قلوبنا غلف لقصد الزيادة في الإنحاء عليهم بالتوبيخ، فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضا مجردا من الأدلة لكان في اعراضهم معذرة ما، ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معهم، والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين» (2) وهو أبين سلوك يهود المدينة ومشركي العرب
يهود المدينة
ولا خلاف أن هذه الآية نزلت في بيان ما كانت عليه أيام الجاهلية مع جيرانهم العرب المشركين، وذلك أن اليهود بما كان عندهم من علم النبوات كانت عندهم بشارة جلية مما يتلونه في الكتاب. بمبعث خاتم النبيين، وكانوا على علم بأن هجرته ستكون إلى أرض المدينة - يثرب قديما - فآثرت طائفة منهم الهجرة إليها فرارا من اضطهاد دولة الروم التي كانت تسيطر على بلاد الشام المقدسة لما كانوا يطمعون فيه من وجدانهم الملجأ الرحب في أكنافه ووصولهم الى مراقي العز والشرف والسؤدد بالتفافهم حوله، ونصرتهم إياه، وكانت هذه الأخبار تتسلسل في أجيالهم المتوالدة، وكانوا لا يكتمونها عن العرب الأميين، خصوصا عندما يمنون بالهزائم في حروبهم معهم، فكانوا ينذرونهم بإظلال زمن
(1) المنارج 1، ص 380 - الطبعة الرابعة
(2) التحرير والتنوير ج 1، ص 601 - الدار التونسية للنشر
-000 -