الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٦٤اشتروا به أنفسهم أي بئس ما هو في الواقع، وأما كونه اشتراء
هو
أيضا
فبحسب اعتقادهم، وقوله: أن يكفروا بما أنزل الله بحسب الواقع، وفيه تنبيه لهم على حقيقة حالهم، وهي أنهم كفروا برسول مرسل إليهم للدوام على شريعة نسخت
وإن كانوا معتقدين صدق الرسول، وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله: فلما جاءهم ما عرفوا على أحد الإحتمالين المتقدمين، فالاشتراء بمعنى الاستبقاء الدنيوي، أي بئس العوض بذلهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق، فالآية على نحو قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة (1)
هذا وقد عرفتم مما سبق جواز ترادف كلمتي البيع والشراء وليس في ذلك ما يدعو إلى الغلط في فهم الحقائق اللغوية، لأن القرائن الملابسة للخطاب كفيلة بإفراز المعاني المقصودة وكشف اللبس والغموض وتوجيه الإمام ابن عاشور لمعنى الآية مع إبقائه الاشتراء فيها على معناه المشهور لا يخلو من نظر على كلا الاحتمالين اللذين ذكرهما، أما على الأول فلأن كفر بني إسرائيل برسالة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان كفر عناد لا كفر جهل، فإنهم ـ كما أخبر الله عنهم - يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} (البقرة: 146)، وفي ما قبل هذه الآية أخبر الله عنهم بأنهم كفروا لما جاءهم ما عرفوا، فأي مكان للجهل
(1) المرجع السابق ص 604
- 098 -