جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٨٣

كالماء الساري في منافذ الجسم حتى تخلل جميع قلوبهم، واستولى على كل جانب منها، وذلك أقصى ما يصل إليه حب شيء كما قال الشاعر: إذا ما القلب أشرب حب شيء فلا تأمل له عنه انصرافا وإيثار عبارة الإشراب على غيرها كالإطعام، لأن الماء يسري

حيث لا يسري الطعام، ولذلك قال الأطباء الماء مطية الطعام والدواء، لأنه ينقل ما يتحلل فيه من عناصرهما إلى جوانب الجسم؛ وإذا أرادت العرب المبالغة في وصف الحب أو نحوه من الأعراض استعملت هذه

العبارة ونحوها كما في البيت المتقدم، وقول أحد النابغتين: تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور

وقول غيره:

جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي فأصبح لي عن كل شغل بها شغل وذهب أسراء الألفاظ إلى أن معنى إشرابهم العجل أنهم شربوا من ماء البحر المختلط ببرادته بعدما نسف فيه كما أخبر الله تعالى، وذلك أنهم قالوا: إن موسى عليه السلام ذبح العجل ثم برده بالمبرد وألقاه في البحر فاختلط بمائه وأمر بني إسرائيل بالشرب منه، فكل من كان في قلبه حب له خرج على شاربه الذهب؛ وقد رد المحققون هذا القول، وهو جدير بالرد، إذ لو كان المراد بالإشراب سقيهم ذلك الماء لما عُدِّي إلى القلوب، فإن الماء أولى به مجاريه في البطن من القلوب، ولم يثبت هذا القول عمن نُسب إليهم من الصحابة والتابعين، وإنما أسنده ابن جرير

- 583 -

١٬٤٦١ / ١٬٨٩٨