الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥عبر
الله
الأمم في دين الله أفواجاء وتم ما وعد الله به المؤمنين من استخلافهم في الأرض، وتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم، وقد بقي هذا القرآن هو القلعة المتينة التي يحتمي بها الإسلام، ويأزر إليها في كل شدائده ومحنه التي تقذفه بها أحداث الزمن، ولولا القرآن ما وصل إلينا من الإسلام شيء، بل لولا القرآن لم تبق لنا لغتنا العربية الفصحى متألقة القرون، ولولاه لم تخرج من محيطها الضيق في جزيرة العرب لتكون لغة الدين والدنيا، يجهد أبناء العجم في بنائها كأبر أبنائها، خدمة لكتاب الله الذي شرف به لغة العرب، وحبا في النبي العربي الذي أنقذ الله به الإنسانية، ولولا القرآن لما انسلخ العرب، من عاداتهم السيئة وتحرروا من أوهامهم المطبقة، وخرجوا من مجتمعاتهم الضيقة التي كانوا فيها أشبه بالسباع المفترسة في غاباتها يأكل الكبير الصغير ويعدو القوي على الضعيف، فقد أخرجتهم هداية القرآن من هذا المحيط الضيق الذي كانوا يعيشون فيه إلى محيط الأرض كلها، وحولتهم من جاهليتهم الحمقاء، هداة البشر وقادة الأمم، ينظرون بعين المودة من أحبائهم، وبعين وصيرتهم المهابة من أعدائهم.
إن القرآن هو الذي أرهف حسهم، ورقق طباعهم، وصفى وجدانهم، وحرك في نفوسهم مشاعر الرحمة للإنسانية، فكانوا مثالا في طيب الخلق،، حتى قال قائل من علماء الاجتماع الغربيين «ماعرف التاريخ
وحسن
المعاملة
فاتحا أرحم من العرب».
إن هذا القرآن هو الذي بعث في نفوسهم الهمم، وأوقد في قلوبهم العزائم، فانطلقوا في أرجاء الأرض، مستهدفين كل جبار عنيد وشيطان مريد، ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الأكاسرة والقياصرة، ووطئوا بنعالهم
1.