جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ١١

كتاب حكيم وقرآن حكيم، فإن الحكيم فيها بمعنى المحكم، ودل على تشابهه جميعا قوله تعالى: الله الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبا مُتَشَبِها (1) وذلك لا ينافي انقسامه إلى محكم ومتشابه كما تؤذن هذه الآية الكريمة، فإن هذا الانقسام إنما هو باعتبار معنى غير المعنى الدال على إحكامه جميعا وتشابهه جميعا، فإن وصفه كله بالإحكام أنه في غاية الإتقان من حيث لفظه ومن حيث معناه، فقد

به

همم

أتقن الله عز وجل تركيب حروفه وكلماته، وأبدع تناسب سوره وآياته، ولذلك بهر العالمين ببلاغته وتساقطت بلغاء العرب عن محاولة مجاراته، فإن كلماته جميعا رصفت رصفا لا يمكن أن تنتهي إلى مثله ملكات البشر، فلذلك تلاحمت هذا التلاحم الذي أخذ بالألباب، إذ لو استبدلت كلمة منها بغيرها لنبت عن سائر الكلمات وتعذر هذا الذي نراه بينها من الانسجام، ولم يكن ذلك في الكلمات وحدها بل هو أيضا في الحروف التي تركبت منها، وذلك بالنظر إلى مخارجها وصفاتها وإيحاءاتها وهو ما لا يوجد في سائر الكلام. وليس هذا الانسجام في ألفاظه وحدها بل فيها وفي معانيها، وذلك هو سر إعجازه وآية ربانية مصدره، فإن معانيه - مع طوله ونزوله في أحوال مختلفة ومواقف متباينة وأزمنة متباعدة - ليس بينها نشاز ولا اضطراب، ولذلك نعى الله عز وجل على أولئك الذين تعاموا عن النظر إلى هذه الآية الكبرى حيث قال:

(1) سورة الزمر، الآية 23.

11

١٬٥٠٣ / ١٬٨٩٨