جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ٣٦

بالإيمان به، على أن هذا الأمر ليس بالنظر إلى عمر الإنسان الفرد المحدود فحسب، بل هو يشمل وضع حالة الإنسان باعتباره جنسا منطويا على جميع أفراده تمتد حياته عبر قرون إلى أن يأتي أمر ربك، فإن سنة الله اقتضت أن تكون حياة الناس في تطور مطرد يقترن باكتشاف الغوامض من حقائق الوجود وسبر أغوار من مجاهيل هذا الكون، وقد شهدت الإنسانية في خلال قرن مضى من الاكتشافات العلمية ما لم يكن يدور بخلد إنسان قط، حتى عاد ما لم يصل من قبل إلى أن يعلق حتى بالخيال والوهم حقيقة ناصعة لا يتمارى فيها اثنان، والقرآن مع هذا يتحدى كل مكابر ومعاند بما يظهر للناس من أسرار آياته التي أخذت تتجلى حقائقها من خلال ما اكتشف من حقائق الوجود تصديقا لوعد الله الحق في قوله: ل ستريهمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (1) وبهذا تحول كثير مما كان يعد من متشابه القرآن إلى غير متشابه بما اتضح من معانيه التي كانت غامضة قرونا وقرونا نحو قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ في اليل (2)، فإن معنى الآية الكريمة ظل بعيدا عن مدارك الأفهام إذ لم يكن الناس يتصورون كروية الأرض، وأن الليل والنهار يتلاحقان بدورانهما المطرد على الكرة الأرضية، حيث إن كلا منهما يلج في بطن الآخر وإنما كانوا يتصورون أن الليل ينزل دفعة واحدة على الأرض كلها

"

(1) سورة فصلت، الآية 53

(2) سورة الحج، الآية 61

36

١٬٥٢٨ / ١٬٨٩٨