الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٨إجمالها
اختلاف
الحكمة الإلهية ما لا يخفى عن العباد، فإن هذه الأحكام من اقتضى لطف الله بعباده أن لا يفرضها عليهم دفعة واحدة، بل نزلت تدريجا مع نجوم الوحي التي استمرت نحو عقدين من السنين لئلا تتوانى همم المتعبدين بها عن حملها دفعة واحدة، وقد شاء الله أن لا تكون كلها نصية إذ لو كانت كذلك لضاق الأمر على الناس ولم تكن هذه الرحابة في شريعة الإسلام، وإنما نص الشارع على ما لا يحتمل الخلاف لاقتضاء مصلحة العباد ذلك وبقي ما عداه يسوغ فيه النظر والتأمل لمن قدر على إجالة قدح الفكر حتى يتوصل إلى ترجيح ما يراه أقرب إلى الصواب، وهذا مما يستدعي وجهات النظر وإرخاء العنان للعقل ليجول ببصيرته الوقادة بين أنحاء الأدلة لاستلهام الرشد واستبانة المقصد، فتتضاعف الأجور لأرباب الحجي على ما وُفقوا له من استنباط الأحكام من أعماق الأدلة بسديد الاجتهاد، وفي هذا شكر لنعمة العقل ولطف ورحمة بالعباد، فإن آراء المجتهدين قد تتفاوت لاعتبارات شتى نحو اختلافهم في تخصيص العام بخصوص سببه، أو ذكر حكمه لفرد من أفراد مدلولاته، وتقييد المطلق إذا اتفق مع الدليل المقيد في الحكم واختلف مع السبب أو العكس، ومثله القول في بيان المجملات بأنواع التفصيل التي اختلف فيها أهل العلم، فإن ذلك من أسباب اختلاف المجتهدين الذي يجد فيه العاملون سعة من
کله
أمرهم فلا تضيق بهم السبل كما لو كان حكم القضية نصيا. ه. أن اللغات محدودة متناهية: لأنها بحسب ما توصل إليه المتواضعون عليها من المعلومات، فلو لم يكن لهم مجال في استخدام
38