الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٦٣والراسخون في العلم هم المتمكنون منه العارفون بدقائقه، المحسنون لمواقع التأويل، وذلك لما أوتوه من الفطنة والإدراك لدقائق مضامين الكلام العربي ومعرفتهم بطرق استعماله، أما ما جاء من وصفهم فيما أخرجه ابن جرير عن أنس له أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: من صدق حديثه، وبر في يمينه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخون في العلم " (1) فهو لا يعدو أن يكون من سماتهم التي يعرفون بها.
11
التأويل بين السلف والخلف:
إن أعظم ما وقع فيه الاختلاف واحتدم فيه النزاع من هذه المتشابهات ما كان في صفات الله تعالى، وقد شاع عند الكثير أن مذهب السلف فيها تفويض علمها إلى الله، وأن الخلف هم الذين يؤولونها، والذين نزهوا الله تعالى عن مشابهة خلقه عزوا إلى السلف أنهم مع سكوتهم عن الخوض فيها كانوا يقطعون بأن ظاهرها غير مراد، وهذا بخلاف مسلك المشبهة فإنهم عزوا إلى السلف الصالح ما هم براء منه من تشبيه الله تعالى بخلقه، لذلك سموا أنفسهم سلفية، وأنتم تدرون أن السلف الصالح كان أنقى فكرا وأطهر اعتقادا وأصح منهجا، فلم يكن بحال ليشبه الله تعالى بمخلوقاته، وإنما كانوا أهل احتياط في دينهم، ولم يكن امتناعهم عن الخوض في معاني القرآن محصورا في هذه الآيات الموهمة للتشبيه وحدها، وإنما سكتوا عن الكثير مما لم يروا داعيا ملحا إلى الخوض في معناه، وما
(1) أخرجه ابن جرير الطبري (6634)، والطبراني (3025).
63