الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٧٠الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كالذي قيل في تأويل قوله تعالى:
فإن الاستواء قد يستعمل بمعنى الاستيلاء كما في قول الشاعر:
(1)
الملك
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق ولكن قد يقال في الآية بأنها وردت مورد الكنايات، لأنه من المحتمل أن يكون المراد بها أنه سبحانه وتعالى هو مالك الملك الذي يصرف الكائنات بأسرها وفق مشيئته وتدبيره من غير أن يخرج شيء منها عن إرادته، وهذا لأن العرش في عرف البشر هو سرير الذي يقعد عليه الملك فيدير أمر مملكته، ولذلك يقولون: قعد فلان الملك على العرش بتأريخ كذا، بمعنى أن حكمه كان في ذلك التأريخ ولو لم يكن له عرش يقعد عليه قط، وإنما هذا كما يوصف الكريم بأنه جبان الكلب وبأنه كثير الرماد، ولو لم يكن له كلب قط أو يكن في بيته رماد، ومن حيث إن التأويلين محتملان معا كان كل منهما لا يعدو أن يكون على وجه الاحتمال والمثال، ومثله قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْعَمَاءِ له (2) فإنه يحتمل أن يكون المراد به إتيان أمره أو إتيان ميعاده الذي وعدهم إياه، ولذلك اختلفت آراء أهل العلم في تأويله مع قطعهم أن ظاهره
غير مراد
(1) سورة طه، الآية 5. (2) سورة البقرة، الآية 210.